أسامة داود يكتب : الترشيد بين دولارات مجالس الإدارة وجنيهات العمال فى شركات البترول

أسامة داود يكتب :  الترشيد بين دولارات مجالس الإدارة وجنيهات العمال فى شركات البترول


في الوقت الذي تتصاعد فيه دعوات الترشيد  داخل دوائر صنع القرار  في قطاع البترول المصرى، وتُرفع شعارات ضبط الإنفاق وتقليل المصروفات، يظل سؤال واحد معلقًا بلا إجابة هل يبدأ الترشيد من جيوب العاملين… أم من قمم هرم الإدارة؟

المفارقة التي تفرض نفسها بقوة داخل عدد من الشركات في مصر – خاصة في الشركات الاستثمارية وعلى رأسها قطاع الأسمدة – تكشف عن صورة مزدوجة يصعب تبريرها اقتصاديًا أو أخلاقيًا.

دولارات في القمة… وجنيهات في القاع

داخل مجالس إدارات شركات كبرى، تتكرر معادلة لافتة وهى أن ممثلو الشركات الاستثمارية فى تلك المجالس يتقاضون بدلات حضور ومكافآت بالدولار

ليست هذه مجرد تفاصيل محاسبية، بل هي فلسفة إدارة كاملة تخلق فجوة بين أعضاء يحملون نفس الصفة القانونية داخل مجالس إدارة شركات أخرى، لا يتمتعون بنفس المعاملة المالية وان كان من العدل ان يتم توريد قيمة الجلسات لجميع الأعضاء المصريين من الدولارات لصالح الهيئة على ان تصرف الهيئة لهم القيمة بالجنيه مثلمهم مثل كل ممثلى أعضاء مجالس الإدارة في الشركات المصرية والمشتركة..  و هيئة البترول هى بمثابة الاب الشرعى لكل شركات القطاع حتى من هم في داخل هيكل القوابض الثلاث ايجاس وجنوب الوادى للبترول والقابضة للبتروكيماويات ايكم بإعتبار ان تبعيتهم جميعاً لهيئة البترول

شركات الأسمدة… الأرباح تتكلم

في شركات الأسمدة وهو موبكو وأبو قير للأسمدة والصناعات الكيماوية وحلوان وجميعهم ربما تحققت بهم طفرات في الأرباح نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية وليس نتيجة زيادة فى الانتاج، مما يظهر وجه آخر للأزمة.

وعلى سبيل المثال الجمعية العامة التي انعقدت في سبتمبر 2025 أقرت في أبو قير للأسمدة – وفقًا للقانون – أن يحصل مجلس الإدارة على مكافأة قد تصل الى 10% من الأرباح القابلة للتوزيع قانونيًا، وبهذا القرار يبدو الأمر منضبطًا، لكن اقتصاديًا، تطرح الأسئلة نفسها: هل عندما تحقق الشركة أرباحًا بمليارات الجنيهات فإن نسبة الـ10% تعني مئات الملايين تُوزع على مجلس الإدارة؟.

هل نكون قد اصبحنا أمام مكافآت سنوية قد تصل إلى ملايين الجنيهات لكل عضو بخلاف بدلات الجلسات … التي تُصرف في بعض الحالات بالدولار؟

ما هو الموقف داخل شركات مثل  ميدتاب وميد اليك وميدويتر والتي تسند مجالس ادارتها للمحظوظين من رجال يعيشون في الظل لا يعلم احد عنهم شيئ كم يحصلون من عضوية مجالس الإدارة وبدلاتها ومكافآتها ونسبتهم في أرباح علمًا بأن تلك الشركات تقوم على تقديم خدمات وتحصل على مقابلها بشكل دائم دون ان تحتاج الى تسويق او بذل جهد وخلافه؟

جلسة واحدة… أم منظومة إنفاق؟

الأرقام المتداولة داخل بعض الشركات تشير إلى أن بدل الجلسة قد يصل إلى 7500 دولار مع انعقاد جلسات شهرية إضافة إلى جلسات تحضيرية تصرف بدلها بالجنيه.

بمعنى أن عضو مجلس الإدارة قد يحصل شهريًا على ما يعادل دخل سنوات لموظف عادي، هل هذا هو العدل في ميزان وزير البترول الذى يرفع راية الترشيد لينتزع من قروش فقراء القطاع لتصدير صورة الى الرأي العام عن شعار الترشيد بينما تتبارى الشركات البعيده عن الأنظار في السير وفق نهج قانون الشئ لزوم الشيئ لزيادة ارقامهم الدولارية التي تصب في حساباتهم وكله باللوائح التي يتم صنعها في شركات تقدم عضويات مجالس ادارتها ومواقعها القيادية للمرضى عنهم وعلى سبيل المثال شركة سوميد المدججة بعدد ثلاث وزراء سابقين يتقاضون بدلات دولارية وهى مواقع كان من المفترض ان يتم اسنادها الى عناصر من القيادات التي تعيش على جنيهات شركات القطاع العام البترولى محدودة الدخل يحدث ذلك في الوقت الذي يُطلب فيه من نفس الموظف البسيط داخل القطاع شد الحزام!

الترشيد.. وقانون الشئ لزوم الشئ

المشهد يذكرنا بروح السخرية التي قدمها نجيب الريحاني، حين صاغ مفهوم قانون الشئ لزوم الشئ في نقده اللاذع لبراعة النهب المنظم عبر اللوائح... اليوم، يبدو أن هذا القانون يُطبق بحذافيره عبر تقليل نفقات صغيرة... التضييق على بنود محدودة... تجاهل بنود ضخمة تمثل نزيفًا حقيقيًا، وكأن الترشيد أصبح أداة شكلية، لا سياسة اقتصادية جادة.

ازدواجية لا تخدم الدولة

الأخطر من الأرقام، هو ما تعكسه من اختلالات منها ، ازدواجية العملة داخل نفس الكيان... فجوة بين القيادات والعاملين وغياب الشفافية الكاملة في إعلان تفاصيل المكافآت بالإضافة الى ربط المكافآت بأرباح قد تكون ناتجة عن ظروف سوق عالمية لا عن كفاءة إدارية.

سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كانت وزارة البترول جادة في الحديث عن الترشيد، فإن البداية المنطقية يجب أن تكون من هنا: هل من الطبيعي أن تُصرف بدلات بالدولار في شركات تعمل داخل الاقتصاد المحلي؟

هل من المقبول أن ترتبط مكافآت ضخمة بظروف سوقية خارجية؟

ولماذا لا يُعاد النظر في هيكل مكافآت مجالس الإدارة قبل المساس بدخول العاملين؟

لكن مع انعقاد الجمعيات العامة لاعتماد نتائج أعمال الشركات ل 2025، تظل الفرصة قائمة لفتح هذا الملف بجرأة: ليس بهدف الهجوم،

بل من أجل إعادة ضبط معادلة العدالة داخل المؤسسات.

و في النهاية لابد من أن يدرك القائمين على قطاع البترول أن الترشيد الحقيقي لا يُقاس بما يتم توفيره من جنيهات الغلابة، بل بما يمكن ضبطه من دولارات القمة.

وإن شاء الله للحديث بقية.